القاضي عبد الجبار الهمذاني

511

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وقد بينا من قبل أن المستحق إنما يجب أن تكون له مزية على التفضل متى لم يكن سبب الاستحقاق تفضلا . وأما إذا كان القديم تعالى الّذي هو المتفضل بجميع ما معه يصح استحقاق العوض ، فليس يجب أن يكون للمستحق مزية على ما يتفضل به ؛ بل ربما كان للتفضل مزية ، وربما يكون أوقع في النفس . وإنما يجب إثبات مزية للمستحق فيما بينا ، لأن أحدنا قد يأنف من تفضل الغير ويغتم لحاجته إليه ويخاف منه عليه ، فيتأذى به وكل ذلك لا يتأتى فيه تعالى ، فلا يصح ما سألت عنه . فإن قال : لو كان العوض منقطعا لحسن منه تعالى إذا أعاد « 1 » المعوّض في الآخرة أن يقطع العوض عنه ، وفي قطعه العوض عنه وجوه من الفساد : منها أنه يؤدى إلى أن يعلم ذلك أو يجوز فيغتم بانقطاعه . ومتى اغتم بذلك استحق غمه عوضا . والقول في العوض الثاني كالقول في العوض الأول . وذلك يوجب لزوم دوامه على القول بانقطاعه ، فيجب أن يكون دائما . ومنها أنه تعالى كان يجب أن يحسن / منه أن يميته ، والإماتة لا تحسن في الآخرة لأنها تكون عبثا لا فائدة فيها ، لأنه لا يمكن أن يقال إنه تعالى يفعلها للمصلحة مع أن الآخرة ليست بدار تكليف . وذلك يوجب أن القول بانقطاع العوض يقتضي إضافة قبيح إلى اللّه ، فيجب القول بدوامه . ومنها أنه لو قطع عنه العوض وهو حي مشته للحقته « 2 » مضرة بفقد المشتهى ، فيصير بمنزلة المؤلم ؛ وذلك لا يحسن في الآخرة ، لأنه إنما يحسن العوض في الشاهد للمصلحة . قيل له : إنا لا نوجب في العوض أن يكون موصلا إلى مستحقه مع كمال عقله ، بل لا يمتنع أن يوصل ذلك إليه وهو غير عالم به وبأحواله . ويفارق العوض عندنا

--> ( 1 ) أي بعثه . ( 2 ) في الأصل للحقه .